محمد جواد مغنية

330

في ظلال نهج البلاغة

ليس من جنس المعاني العقلية المجردة كالشرف والكرامة ، لأن هذه لا تستقل بذاتها في الوجود ، ولا هو ، تعالى ذكره ، من جنس الماديات لأنها تنفعل بالغير ، وتفتقر إلى زمان ومكان . . انه ، جل وعز ، قوة عالمة مريدة ، وقادرة ، وضرورية الوجود ذاتا وأصالة ، ومن أجل هذا هي هي لا تبديل ولا تعديل . ( لم تسبق له حال حالا ) . لأن السبق يستدعي الحدوث ، واللَّه قديم ذاتا وصفات ( فيكون أولا قبل أن يكون آخرا ) . اللَّه أول بمعنى انه كان ولم يكن معه شيء ، وانه المبدأ لوجود كل شيء ، وهو ليس بأول على معنى ان لوجوده ابتداء ، وإلا يكون حادثا . واللَّه آخر بمعنى انه يبقى بعد فناء كل شيء ، واليه ينتهي كل شيء ، وهو ليس بآخر على معنى ان لوجوده نهاية ، كيف والغرض انه ضروري الوجود . واذن يصح لنا أن نقول : هو سبحانه الأول والآخر الآن ومن قبل ومن بعد . ( ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا ) . بل هو ظاهر وباطن في آن واحد ، هو ظاهر بآياته الدالة على وجوده وعظمته ، وهو باطن لأن العقول تقصر عن إدراك كنهه وحقيقته ، وأيضا لأنه يعلم ما خفي وبطن ( كل مسمى بالوحدة غيره قليل ) . لأن الوحدة لغير اللَّه ضعف وقلة ، أما هو سبحانه فقد توحد وتفرد بالقدرة والعزة والبقاء ( وكل عزيز غيره ذليل ) . لأن عزته تعالى ذاتية ، والعزة في غيره مستمدة منه ، ويسلبه إياها متى شاء ، ومن هنا شاع وذاع : من اعتز بغير اللَّه ذل . ( وكل قوي غيره ضعيف ) . لنفس السبب السابق أي ان قوته تعالى ذاتية ، وقوة غيره مستمدة منه ، وأيضا شاع وذاع : لا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم ( وكل مالك غيره مملوك ) . للَّه ، هو وحده يؤتي الملك من يشاء ، وينزعه ممن يشاء . ومن أقوال الإمام : لا نملك إلا ما ملكنا ( وكل عالم غيره متعلم ) . لأن علمه تعالى عين ذاته ( وكل قادر غيره يقدر ويعجز ) . أما هو فلا يعجزه شيء ، قاهر غير مقهور ( وكل سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات ، ويصمه كبيرها ، ويذهب عنه ما بعد منها ) . الأذن تضعف عن سمع الهمسات والوشوشات ، وتصم من عالي الأصوات ، ولا يصل إليها البعيد عنها ، أما هو سبحانه فلا يسمع بجارحة وأداة ، بل يعلم كل شيء مباشرة وبلا واسطة حتى وسوسات الصدر ، وخفقات القلب .